علي بن أحمد المهائمي
3
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
بالدلائل العقلية لصفائها عن الشبهات وهي كرم هاطل في إفادة الكشوف الغير المتناهية كاشف هم الياس العظيم الصعب في حل الشبهات وفيه إشارة إلى كرم الهاطل على من مات وخلف ولدا صالحا وكشف هم عوارض المعاصي عنه وكانت هذه الرحمة اثر دعائه ( إِذْ نادى رَبَّهُ ) المخصوص به لكن لما كانت الرحمة المذكورة لا يتصوّر افاضتها منه أفاضها من اسم أعلى منه وذكر ( نِداءً ) لئلا يتوهم ان ( خَفِيًّا ) حال من ربه فيتوهم انه كان حال الدعاء محجوبا عنه وانه يمكن كونه مجاهرا بندائه لكنه اخفاء ليكون أبلغ في التذلل وابعد من شماتة الأعداء أو نسبتهم إياه إلى السفه بطلب المحالات العادية ( قالَ رَبِّ ) اى يا من رباني بالعلم والولاية والنبوة وسائر الكمالات انها صارت كالتالفة عند ضعف الحياة ( إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ ) التي هي أقوى الأعضاء واصلبها وان كان لها قوّة باطنية ( مِنِّي وَ ) هنت قواى المدركة والمحركة لأنه ( اشْتَعَلَ الرَّأْسُ ) أي خالط سواده اختلاط النار ( شَيْباً ) فاحترق ما فيه وذهب رونقه ( وَ ) هو وان كان مانعا من حصول الولد دعوتك فيه لانى ( لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ ) أي يا من رباني باستجابة الدعوات ( شَقِيًّا ) بالرد وعدم الالتفات اليه ولو في الأمور المستحيلة عادة ( وَ ) لم أدعك لامر دنيا ربما تمنعها خواصك لما فيه من صلاحهم بل لاصلاح أمور الخلق ( إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ) أي الذين يلون أمر الخلق ( مِنْ وَرائِي ) أي من بعد موتى فتسوء خلافتهم إذا لم يقتدوا بنبىّ فطلبت منك الولد مع ظهور استحالته من جهتي مشيختى ومشيخة امرأتي ( وَ ) من جهة أنه ( كانَتِ امْرَأَتِي ) حال شبابها ( عاقِراً ) فكأني طلبته بلا سبب ليحصل بلا واسطة فيكون أكمل ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) يلي أمر الناس ( يَرِثُنِي ) النبوّة والولاية والعلم وسائر الكمالات ( وَيَرِثُ ) ما ليس لي ( مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ ) لا تجعل كمالاته سبب سخطك عليه لتكبره بها وطغيانه على الخلق بل ( اجْعَلْهُ رَبِّ ) أي يا من رباني بالكمالات في مقام الرضا ( رَضِيًّا ) ترضى جميع ما فيه ويرضاه الخلائق فقال ( يا زَكَرِيَّا ) ناداه ليقبل اليه فيما يبشره به ( إِنَّا ) من مقام عظمتنا لا نزال ( نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ) لا تعرف غاية كماله سوى انه ( اسْمُهُ ) عندي ليجب مطابقته للمسمى ( يَحْيى ) إذ يحيا به ما مات من فضائل الأنبياء عليهم السّلام وكيف يعرف غاية كماله مع أنه لم يكن لمن قبله إذ ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) فضلا عن أن يتصف بكمالاته فكان أعلى مما طلبته إذ حصل من اسم أعلى من الذي طلبته منه ( قالَ ) زكريا ( رَبِّ ) أي يا من رباني باعطاء ولد يحيا به ما مات من فضائل الأنبياء عليهم السّلام ( أَنَّى ) أي كيف ( يَكُونُ لِي غُلامٌ ) ينسب الىّ من غير أن أكون أنا ولا امرأتي سببا فيه ( وَ ) لو جعلت السببية لي فهل تجعل امرأتي ولودا بعد ما ( كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ ) هل اجعل شابا بعد ما ( قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) أي يبسا ( قالَ ) ينسب إليك الولد مع كونكما ( كَذلِكَ ) شيخا وعاقرا ليكون الولد بلا سبب مؤثر إذ عند تأثيره لا يخلو من الانصباغ بصيغته وان لم يكن لها أثر بالحقيقة ( قالَ رَبُّكَ ) أي الذي رباك باعطاه مثل هذا الولد عن دعوتك ( هُوَ ) أي جعل الولد منسوبا إليك مع عدم تأثير سببيتك ( عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل هذه الكمالات فيك ( وَلَمْ تَكُ شَيْئاً )